ابن أبي الحديد
206
شرح نهج البلاغة
ظئري - امام الحي تهتف بأعلى صوتها ، وتقول يا ضعيفاه فانكب على أولئك الرهط فقبلوا رأسي وما بين عيني ، وقالوا حبذا أنت من ضعيف ثم قالت ظئري يا وحيداه فانكبوا على ، وضموني إلى صدورهم ، وقبلوا رأسي وما بين عيني ، ثم قالوا حبذا أنت من وحيد وما أنت بوحيد إن الله وملائكته معك والمؤمنون من أهل الأرض ، ثم فالت ظئري يا يتيماه استضعفت من بين أصحابك ، فقتلت لضعفك ، فانكبوا علي وضموني إلى صدورهم ، وقبلوا رأسي وما بين عيني ، وقالوا حبذا أنت من يتيم ما أكرمك على الله لو تعلم ما يراد بك من الخير فال فوصل الحي إلى شفير الوادي ، فلما بصرت بي أمي - وهي ظئري - نادت يا بني ، الا أراك حيا بعد فجاءت حتى انكبت علي ، وضمتني إلى صدرها ، فوالذي نفسي بيده ، إني لفي حجرها فد ضمتني إليها ، وان يدي لفي يد بعضهم ، فجعلت التفت إليهم ، وظننت أن القوم يبصرونهم ، فإذا هم لا يبصرونهم ، فيقول بعض القوم إن هذا الغلام قد أصابه لمم ، أو طائف من الجن ، فانطلقوا به إلى كاهن بني فلان ، حتى ينظر إليه ويداويه ، فقلت ما بي شئ مما يذكرون ، نفسي سليمة ، وان فؤادي صحيح ، ليست بي قلبة ( 1 ) فقال أبي - وهو زوج ظئري : الا ترون كلامه صحيحا اني أرجو الا يكون على ابني باس . فاتفق القوم على أن يذهبوا إلى الكاهن بي ، فاحتملوني حتى ذهبوا بي إليه ، فقصوا عليه قصتي ، فقال اسكتوا حتى اسمع من الغلام ، فهو اعلم بأمره منكم ، فسألني فقصصت عليه أمري ، وانا يومئذ ابن خمس سنين ، فلما سمع قولي وثب وقال يا للعرب اقتلوا هذا الغلام فهو واللات والعزى لئن عاش ليبدلن دينكم وليخالفن امركم ، وليأتينكم بما لم تسمعوا به قط ، فانتزعتني ظئري من حجره ، وقالت لو علمت إن هذا يكون من قولك ما أتيتك به ،
--> ( 1 ) ليس بي قلبة ، اي ليس به شئ واصله من القلاب ، وهو داء يأخذ الإبل في رؤوسها ، فيقلبها إلى فوق ، قال في اللسان : ( ولا يستعمل الا في النفي ) .